الحلقة (الثانية) والأخيرة
مستشرقون منصفون

تراثنا – أ .م . د محمد أحمد عنب * :
يرد سارتون على بعض المستشرقين المُجحفين للإسلام ولحضارته فيقول: (إن بعض المؤرّخين يحاولوا أن يبخسوا ما قدّمه العرب والمسلمون للعالم، ويصرّحون بأنّ العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا إليها شيئًا)، ويرد عليهم مدافعًا عن الإسلام ومنصفًا للحضارة العربية؛ (إنّ هذا الرأي خطأٌ جسيم فقد كان العرب أعظم معلمين في العالم، وأنهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها لدرجةٍ كبيرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء، وإذا لم ينقلوا إلينا كنوز الحكمة الإغريقية وما زادوها عليها من إضافات مهمة لتوقّفت المدنية عن التقدُّم عدة قرون)(1).

-
كان العرب أعظم معلمين في العالم وزادوا على العلوم التي أخذوها لدرجة كبيرة من حيث النمو والارتقاء .
-
الأوروبيون أخذوا عن المسلمين المنهج العلمي الاستقرائي في البحث العلمي والتجريبي في العلوم الكونية .
-
كان علماء الغرب شغوفين باللغة العربية وكتبوا مؤلفاتهم بها بجانب لغاتهم الأصلية لضمان الانتشار عالمياَ !
لقد شهد سارتون بأهمية العلوم العربية في العصور الوسطى، وأقرّ بأنّ أعظم النتائج العلمية لمدة أربعة قرون إنما كانت صادرة عن العبقرية الإسلامية، كما بيّن أيضًا أنْ معظم الأبحاث العلمية الممتازة خلال هذه القرون الأربعة كانت بلغة العلم الكبرى وهي اللغة العربية، وأنّ الأوربيين أخذوا عن المسلمين المنهج العلمي الاستقرائي في البحث العلمي والمنهج التجريبي والعلوم المختلفة كالعلوم الكونية القائمة على التجريب وعلوم الآداب والاجتماع والتربية وما إلى ذلك من المعارف المكتسبة مما له علاقة بالعقل ويقع ضمن مفهوم الفكر الإسلامي بالمعني الحضاري(2).
وتركّزت مؤلّفات سارتون عن تاريخ العلم، ومن أبرزها كتاب «المدخل في تاريخ العلم»، وكتاب «مهد الحضارة الغربية في الشرق الأوسط»، وحرص على أن يُخصّص جزءً وفير منها عن الحضارة العربية الإسلامية وإنجازات العلماء المسلمين، وتحدّث فيها عن سيرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم ضمن تناوله لتاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام، وقد تُرجمت مؤلفاته للغة العربية.
سارتون واللغة العربية

يتحدث سارتون عن اللغة العربية منصفًا لها منوّها على فضلها الكبير في النهضة العلمية فيقول: «إن اللغات القديمة اللاتينية واليونانية والعبرية توارت وأنّ اللغة العربية وحدها كانت الوسيلة الدولية للتقدم العلمي»(3)، وأيضًا مقولته الشهيرة: «وهبَ الله اللغة العربية مرونةً جعلتها قادرةً على أن تُدوّن الوحي أحسن تدوين بجميع دقائق معانيه ولغاته، وأنْ تُعبّر عنه بعباراتٍ دقيقة وميسّرة»، وقد كان علماء الغرب شغوفين باللغة العربية باعتباره ولذلك كتبوا مؤلّفاتهم باللغة العربية بجانب لغاتهم الأصلية حتى يضمنوا لها الانتشار عالميًا، ويؤكّد ذلك سارتون في كتابه» مقدمة في تاريخ العلم» بقوله: (حقّق المسلمون عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطي، فكُتبت أعظم المؤلفات قيمة وأكثرها أصالة وأغزرها مادة باللغة العربية، وكانت من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي لغة العلم الارتقائية للجنس البشري، والحق أنّه كان ينبغي لأي كان، إذا أراد أن يُلمّ بثقافة عصره وبأحدث صورها أن يتعلّم اللغة العربية، ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكلمين بها)(4).
وأخيرًا؛ لقد كان سارتون فيلسوفًا رائعًا، باحثًا عن الحقيقة، وقد أسهمت كتاباته لفهم أفضل للإسلام، تُوفّي رحمه الله عام1372هـ/1956م بعد مسيرةٍ علمية حافلة بدراسة الإسلام وتاريخه، قدّم خلالها فكرًا حضاريًا وقيمًا رائعة، وهي سيرة امتازت بالإنتاج العلمي الضخم، والإنصاف الفذ والنادر للحضارة الإسلامية بين جمهرة المستشرقين في عصره، مسجلاً اسمه بأحرفٍ من نور مُدافعًا عن الإِســلام ومنصفًا للحضارة العربية.
*أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المساعد (كلية الآثار – جامعة الفيوم).
المراجع
(1) أحمد محمد أبو شنار، أثر المسجد في الحضارة الإسلامية، ص47.
(2) فؤاد محسن الراوي، الفكر الإسلامي في مواجهة الفكر الغربي، ص52، جورج سارتون، العلم القديم والمدنية الحديثة، ص78.
(3) عبد العظيم ابراهيم محمد، أوروبا في مواجهة الإسلام، الوسائل والأهداف، ص38.
(4) جورج سارتون، تاريخ العلوم، ترجمة لكتاب؛
A history of science: ancient science through the golden ages of Greece Harvard, 1952.
طالع الحلقة الأولى :
جورج سارتون المستشرق البلجيكي الذي أنصف الإسلام
نقلا عن مجلة تراثنا – العدد 88
تواصل مع تراثنا
أثر المسجد في الحضارة الإسلامية, أحمد محمد أبوشنار, أوروبا في مواجهة الإسلام لكاتبه عبدالعظيم إبراهيم محمد, ارتقاء العرب والمسلمين بالحضارة, البحث العلمي والتجريبي عند المسلمين, الدكتور محمد أحمد عنب, العبقرية الإسلامية والحضارة, العلوم العربية في القرون الوسطى, الفكر الإسلامي في مواجهة الفكر الغربي لكاتبه فؤاد محسن الراوي, المنهج العلمي الإستقرائي عند المسلمين, جورج سارتون المستشرق البلجيكي الذي أنصف الإسلام, جورج سارتون واللغة العربية, دور المسلمين في الحضارة, ردود استشراقية على مجحفين للإسلام, شغب الغرب باللغة العربية, علماء الغرب يكتبون العلوم بالعربية, فضل الحضارة الإسلامية على الغرب, كتاب المدخل في تاريخ العلم, كتاب مهد الحضارة الغربية في الشرق الأوسط, مرونة اللغة العربية لتدون العلم, مستشرقون أنصفوا الحضارة الإسلامية, مستشرقون منصفون